02 ديسمبر، 2006

حتى التاريخ

قال لي أحدهم منذ ثماني سنوات أنه لا يجد فائدة من دراسة مادة التاريخ في المدرسة
"وأنا مالي فلان ولا علان من ألف ولا ألفين سنة حصل له إيه"
أؤمن بتخلف هذا الرأي وعبطه المطلق.. في التاريخ يكمن كل شيء.. إذا عرفت ما كان سيمكنك حينها معرفة الكثير حول ما هو كائن وقد يمكنك استنتاج ما قد يكون
التاريخ، صفحات تقلب فيها فتعرف الكثير عن البشر.. ولو امتلكت الحكمة الكافية فستدرك أن ما حولك سيتحول ذات يوم إلى صفحات يقلبها أناس ما ويتلمظون على ما كان سائداً أيام زمااااان
لكن المدهش فعلاً هو أن تنتقل حالة الوهم التي نعيش فيها إلى نظرتنا للتاريخ كذلك.. فمنذ الأزل وأنا أسمع من يردد في خشوع أن حالنا أصبح بائساً جداً، ويتلمظ على القوة والعز والمجد التي كنا فيهم طوال الألف وخمسمائة سنة الماضية، وأننا كنا نحكم العالم وفعلنا وسوينا إلخ.. وحينما تحاول أن تشرح لهؤلاء أن كلامهم ليس صحيحاً في مجمله، وأن الدولة الإسلامية سواءً الأموية أو العباسية أو العثمانية أو الأندلسية وما أحاط بها من دويلات وممالك وإمارات إلخ، كانت تتنقل بين عهود القوة والضعف، وأن الصورة ليست وردية بالدرجة التي نتخيلها، وفي نفس الوقت ليست شديدة السواد، وأن ما نمر به الآن مرت الأمة بما هو أشد منه كثيراً وطويلاً.. مر بالتاريخ حكام واطيين خسيسين كثيراً وسيمر أكثر، وحدثت أحداث مقززة لا يتخيلها العقل.. لكن هؤلاء يرفضون ذلك ، ويعتبرون الأمر محاولة للنيل من الدين ولكسر الصورة الجميلة وتخفيض المعنويات إلخ، ويصبح على المرء إما أن ينفض من ذهنه كل ما يعرفه من أحداث وحقائق التاريخ، ويتكلم مع هؤلاء عن المجد التليد وكنا وكانوا، أو أن يصبح عميلاً مرتزقاً ويتم التشكيك في دينه وولائه

لا تعلق على الفيلم قبل نزول عبارة النهاية

طيب..
المعارضة اللبنانية نزلت إلى الشارع.. مشهد مهيب هو مشهد الألوف الجالسين في الشارع يلوحون بالأعلام اللبنانية
وقبل ذلك بشهور خرجت آلاف الجموع في فنزويلا في انتفاضة ضد حكم شافيز، واتجهت تلك الجموع إلى القصر الجمهوري وتم قمعها بقسوة
السؤال الآن : مادامت بعض الشعوب قادرة على النزول إلى الشارع والانتفاضة وإعلان أن نظام الحكم الفلاني غير مناسب لها وأنها تريد بديلاً؛ لماذا لا يستطيع الشعب المصري فعل نفس الشيء؟
خذ عندك يا سيدي الفاضل هذا المثال البسيط المتكرر.. مجموعة من ركاب الميني باص المصري العتيد.. تحدث مشادة بين السائق وأحد الركاب.. وبعد انتهاء المشادة ونزول الراكب في محطته يبدأ بعض الركاب التعليق فيما بينهم حول ما حدث والتنظير حول من الصح ومن الخطأ إلخ.. طيب لماذا لم تتدخلوا بآرائكم النيرة تلك أثناء المشادة نفسها؟.. لماذا ينتظر الجميع نزول عبارة نهاية الفيلم ليبدأوا بعدها التعليق؟
المخيف فيما يحدث في مصر أن الجميع تقريباً يتابعون ما يحدث وكأنه يحدث في مكان آخر !

01 نوفمبر، 2006

هل سيصبح جمال مبارك من آل البيت ؟

أتمنى أن أصبح حاكم مصر لسبب واحد فقط : أن أصبح من آل بيت الرسول صلى الله عليه وسلم وأحصل على البركة.. فسبحان الله يا أخي، عادةً ما يكون حاكم مصر شخصاً عادياً ثم حينما يتقلد المنصب الكبير يكتشف الناس أنه من آل البيت..
في الانتخابات الرئاسية اكتشفت إحدى الجماعات التي ترفع شعارات آل البيت أن سيادة الزعيم الرئيس الركن حسني مبارك من آل البيت !
لا أعرف هل تم الأمر بناءً على بحث وكشف في شجرة العائلة الكريمة، أم أنهم اكتفوا بإنعام اللقب على سيادة الرئيس كده لله في لله، تماماً كما أنعم الرئيس السادات على نفسه بلقب الرئيس المؤمن وعلى زوجته بلقب سيدة مصر الأولى !
لم تكن هذه هي السابقة الأولى، فقد قرأت ذات مرة أنهم أيام الملك فاروق اكتشفوا فجأة أنه - وهو الألباني الأصل ! - يمت بصلة نسب إلى الرسول الأعظم، وتم إعلان الخبر كبشرى للأمة الإسلامية..
وبالتأكيد لو رجعنا إلى كتب التاريخ لوجدنا أكثر من حالة اكتشاف للنسب السامي لحاكم أو أكثر من حكام المحروسة..
وأكاد أجزم أن سيادة الرئيس المقبل جمال مبارك لا يسعى للأمر حباً للجاه أو السلطة، أو حتى كصفقة يديرها فاسدو عهد أبيه، وإنما فقط تأثراً بمحاضرات عمرو خالد حول حب الرسول صلى الله عليه وسلم، ورغبة منه في الانتساب إلى آل البيت الكريم..
وعجبي !..

26 أكتوبر، 2006

المصري ماله ايه جراله ايه غيرله حاله - 2

كنت أتساءل : ماذا حدث لهذا الشعب ؟
من شعب يثور إذا ارتفعت أسعار بعض السلع بشكل طفيف إلى شعب نائم في العسل لا يمكن تحريكه ولو تحركت الجبال.. شعب ياخد على قفاه فيبتسم ويحمد الله أنها جت على قد كده، تضربه على خده الأيمن، فيبتسم ويشكرك لأنك لم تضربه على الأيسر كمان.. يعرف كل ما يحدث في الكواليس وما يدبر له في الخفاء، يعرف أنهم يخدعونه ويكذبون عليه، وأنهم ينهبونه ويسرقونه ليل نهار، وأنهم سيورثونه كأي سلعة أو عقار، ومع ذلك جالس في مكانه يحمد الله على أنها جت على قد كده !
ماذا أصاب هذا الشعب ليصبح هكذا ؟ ماذا فعلوه به طوال الثلاثين سنة الماضية ليصبح بارداً هكذا مهما حدث له يحمدالله أن الأسوء لم يأتِ بعد ؟.. يتحمل رذالة الشرطة وقلة أدبهم، يتحمل المعاملة غير الآدمية التي يلقاها في كل شبر من بلده، يتحمل الغلاء والسرقة الفاحشة والخدمات الهزيلة والمواصلات المزدحمة والسياسات الفاشلة والحوادث الكارثية والتبعية الخارجية.. يتحمل ضياع أحلامه وضياع شبابه وضياع مستقبله وحاضره، ومع ذلك يظل صامتاً عاجزاً يفرغ ثورته الداخلية في زوجته وأولاده وفي تحويل معركته إلى معركة دينية مع جاره
أتذكر الآن المناقشات التي دارت في وسائل الإعلام المرئي والمقروء على هامش ما أثاره فيلم "أبو العربي" من زوابع.. الفيلم يتكلم عن الشخصية البورسعيدية "أبو العربي" النصاب الأونطجي الكداب اللي بيلعب بالبيضة والحجر.. وكان التساؤل يدور حول كيف تحولت الشخصية البورسعيدية في الأذهان والوجدان من شخصية مناضلة وطنية مقاتلة تصدت للإنجليز في أواخر عهدهم في مصر ثم شاركت بقوة في الصراع المصري الإسرائيلي على مدى أربع حروب، لتصبح كالشخصية التي ظهر بها هاني رمزي في الفيلم، شخصية كلمنجية أونطجية ؟.. قيل وقتها أن الانفتاح لعب دوراً كبيراً في الضغط على هذه الشخصية المناضلة لتغير من شكلها وجوهرها
هل نفس الشيء حدث مع الشخصية المصرية؟.. هل وجدت الشخصية المصرية نفسها في صراع دائم مع متطلبات الحياة : المسكن والمشرب والملبس والدروس الخصوصية، هل وجدت الشخصية المصرية نفسها في صراع دائم لتظل محتفظة بمكانتها الطبقية ولا تهبط لأسفل أكثر، هل الوضع السياسي الجامد المتجمد الذي يمارسه النظام الحاكم باقتدار منذ ربع قرن جعل الشخصية المصرية تعتقد أنها وصلت لأفضل وضع ممكن وليس في الإمكان أحسن مما كان، وأن أي حراك سيحدث قد يهدم المعبد أكثر مما هو متهدم، ومن أجل كل هذا قررت النوم الطويل مكتفية بأنها تجد خبزها وماءها وما يستر عورتها، مهما زادت الأوضاع سوءً من حولها، وأدينا عايشين!
ما الذي حدث لهذا الشعب ؟.. هناك من يقولون أن الشعب لن يتحرك إلا لو تم المساس بالسلع الأساسية.. لو زاد رغيف العيش، لو وجد الناس أن كل التنازلات التي قدموها في كل المجالات لم تشفع لهم من أجل ترك رغيف عيشهم في حاله.. الحقيقة لا أظن ذلك، أعتقد أن النظام الحاكم بهت على الشعب فأصبح بارداً مثله
هل لسة فيه أمل في هذا الشعب ؟

المصري ماله ايه جراله ايه غيرله حاله ؟ - 1

يحكى - والعهدة على الراوي - أن الشعب المصري العظيم في يوم من الأيام لم تعجبه زيادة الأسعار فجأة، فهب صارخاً زاعقاً وأجبر أولي الأمر على التراجع عن قرارهم الشرير..
لم أصدق هذه الأسطورة في البداية وسخرت من قائلها، وقلت له : أيام الفراعنة أكيد ماكانتش فيه زيادة أسعار زي دلوقتي !.. لكني بعد الرجوع إلى كتب التاريخ اكتشفت أن الأسطورة ليست أسطورة بل حدثت فعلاً ذات يوم زماااااااااان في عهد الرئيس المؤمن.. استيقظ الشعب ذات يوم على فرمان سلطاني في الجرائد الحكومية يعلنهم أنه تمت زيادة أسعار خمسة وعشرين سلعة أساسية..
تتصور يا محترم الشعب عمل ايه ؟
بدأ الأمر بمظاهرات عارمة في الإسكندرية.. آلاف من الرجال والنساء المعترضين على قلة الأدب هذه.. ثم وعلى غير اتفاق اندلعت المظاهرات في القاهرة.. بعبارة أخرى اتفق شعبي القاهرة والإسكندرية على قلب رجلٍ واحد.. مش القاهرة والإسكندرية بس؛ مصر من أقصاها لأقصاها اندفعت تعترض وتحتج وتنفجر في وجه الظلم بعد ساعات قليلة من وقوعه
الرئيس المؤمن كان وقتها في استراحته الشتوية في أسوان يجري لقاءً مع صحفية لبنانية، ثم فوجيء بالدخان يتصاعد من أسوان، ولم يكن يدري ماذا هناك.. جاء محافظ أسوان يركض ويخبره بأن المظاهرات تتجه إلى الاستراحة وأن عليه مغادرة المكان فوراً.. واستقل الرئيس المؤمن طائرته الهليكوبتر الخاصة وأقلع بها إلى بيته على ضفاف نيل الجيزة، حيث أحاطت به الدبابات الثقيلة لوقف زحف الجماهير الغاضبة.. اه والله، حكدب ليه ؟.. واستعدت طائرة الرئيس الخاصة لنقله - في حالة تردي الأمور أكثر - إلى طهران حيث صديقه وحبيبه شاه إيراه ليحتمي بظلاله إلى أن تهدأ الأمور في مصر..لكن الأمور في مصر هدأت بعد تراجع الحكومة عن رفع الأسعار، وتم تبرير ما حدث وقتها بأنها مؤامرة دبرها الناصريون والشيوعيون
كانت هذه تفاصيل الأسطورة المصرية القديمة باختصار، ويبدو أن الناصريين والشيوعيين - الذين ذكرتهم الأسطورة ووصفتهم بأنهم من حركوا هذه الجماهير - قد ماتوا أو كبروا في السن ولم يعد باستطاعتهم نسج المؤامرات، إذ أن نفس الحدث - رفع الأسعار - تكرر كثيراً في العقدين الماضيين لكن على أوسخ بكتير !
خذ عندك يا سيدي الفاضل على سبيل المثال : كانت الحرب في لبنان شغالة، وكان فيه أجازة والناس مش واخدة بالها، وكان يوم جمعة؛ حينما فوجيء سواقي الميكروباص بأن أسعار البنزين زادت.. طيب وايه المشكلة ؟.. المشكلة أن الأمر تم بليل، وأن أسعار أجرة الانتقال بين المحافظات زادت، وأن أسعار الانتقال من مكان لمكان داخل المحافظة الواحدة زادت، وأن أسعار السلع التي تعتمد على عملية النقل - كالخضروات وغيرها - زادت..
الميكروباص اللي كانت أجرته 50 قرش أصبحت 75، واللي كانت 75 بقت جنيه، واللي كانت جنيه بقت جنيه وربع، وهكذا !.. فيه سائقي ميكروباص أفاضل زادوا الأجرة بشكل عشوائي اجتهاداً منهم، فكنت تذهب مثلاً لميدان التحرير من شارع فيصل مرة بجنيه ومرة بخمسة وسبعين قرش وهكذا.. لكن لأن حضارة السبعة آلاف عام تفرض نفسها في النهاية فقد اتفق سائقو الميكروباص على أجرة موحدة تم فرضها على الجماهير
الحكومة قالت أن كل هذا لا داعي له، وأنه لعب على الحبال من سائقي المركبات، لأن الزيادة تمت فقط على نوع معين من البنزين لا تستخدمه هذه المركبات، بينما البنزين الذي تستخدمه أغلب المركبات باقي كما هو لم تمسه يد الغلاء !.. أما سائقو الميكروباص فقد أطلقوا سبة قبيحة ووصفوا الحكومة بالعهر وقالوا أن نوع البنزين الذي لم تمسه يد الغلاء لم يعد متوافراً في الأسواق، وأنهم بدلاً منه أصبحوا يجدون فقط نوع البنزين الذي تم رفع سعره !.. شوف العبقرية يا أخي.. يغلوا نوع ويسيبوا نوع، وما ينزلوش السوق غير النوع اللي غلي علشان الناس تضطر تشتريه.. حكومة واعية وعارفة هي بتعمل ايه !
في صباح اليوم الذي اكتشف فيه الناس غلاء الأسعار كنت في ميدان الجيزة في طريقي إلى السيدة زينب، واشتريت المصري اليوم، وركبت ميكروباص السيدة، ولسة ببص على خبر رفع الأسعار في الصفحة الأولى؛ لقيت سواق الميكروباص بيبصلنا بوحشية وبيهتف بصرامة وحسم : الأجرة بقت خمسة وسبعين يا حضرات !ت..ساءل البعض هو فيه ايه وحصل ايه ؟.. ثم أخرج الجميع النقود من جيوبهم ودفعوا الأجرة الجديدة زي الشطار المؤدبين.. دفعني هذا لتذكر أسطورة ثورة الجماهير أيام الرئيس المؤمن، وتساءلت : ماذا حدث لهذا الشعب ؟

25 أكتوبر، 2006

دراسة مقارنة بين جمال مبارك وأحمد زكي !

كلما رأيت سيادة الرئيس - قولوا إن شاء الله ! - جمال مبارك أتذكر على الفور أحمد زكي في ناصر 56.. بلاش أحمد زكي في ناصر56.. أي ممثل لعب دور جمال عبد الناصر على هامش أي مسلسل..

اشمعنى ؟

الجميع - الأصدقاء قبل الأعداء - يعترفون بأن عبد الناصر كانت له كاريزما خارقة.. وحينما يحاول أحدهم تجسيد عبد الناصر في عمل فني فإنه غالباً ما يلجأ إلى تقطيب وجهه بشكل مستمر ويكرمش وجهه ليوضح أنه شخصية جادة وقوية وشايل هموم الأمة، وإنه والله العظيم عبد الناصر مش واحد بيمثله.. لكن عبد الناصر الحقيقي لم يكن كذلك، فمن يرى صور عبد الناصر سيلاحظ أنه بشوش مبتسم أغلب الوقت، بعكس أحمد زكي حينما جسده في ناصر 56.. كان أحمد زكي مقطب الوجه مكشر على طول يرمق ما حوله شذراً، وفي لقطة وحيدة جمعته بأحمد ماهر مازحه وضحك ضحكة ثقيلة من تحت الضرس ثم عاد مسرعاً للتقطيب قبل ما حد ياخد باله !

وحينما بدأنا نرى جمال مبارك - ولي العهد - في وسائل الإعلام وجدناه مقطب الوجه بشكل مستمر.. في أول ظهور له على التليفزيون المصري في برنامج "اتكلم" مع لميس الحديدي لم يفك وجهه، ظل أغلب الوقت ينظر للميس شذراً بجدية وتقطيب شديد للوجه.. واد صارم صارم يعني

المشكلة هنا أن "مشروع رئيس مصر القادم" هذا ليس موهوباً كالمرحوم أحمد زكي، فأداؤه الجاد الصارم يخرج شبيهاً بأداء فؤاد المهندس في عودة أخطر رجل في العالم !

إنت كويس وابن حلال يا ريس لكن اللي حواليك مستغفلينك

زمان وأنا صغير كنت لما اقرا المقالات والآراء في الجرايد كنت أصدقها على طول.. ناس بتتكلم عن الديموقراطية والحرية في عهد فخامة جلالة الرئيس الذي جاءنا منحة من السماء بعد عهدي عبد الناصر والسادات اللذان كانا وبالاً على المحروسة.. وكنت لما أمشي في الشوارع وأشوف حال الناس وأحس بتناقض بين لهجة الإعلام التفاخرية الإنجازية وبين ما أراه في وجه المواطن المصري المطحون؛ كنت أقول لنفسي جايز أنا غلطان ومش بفهم، أكيد الناس اللي بتكتب في الجرايد دي بتفهم وعارفة بتقول ايه..

لم يكن هناك صوت معارض، واللي يعارض كان كبيره يمشي على نظام : إنت كويس يا ريس بس اللي حواليك بيخدعوك !.. أحمد رجب والصحف الحزبية القليلة كانت تهاجم الحكومة وأداءها الفاشل، وكانت التريقة على وزير المالية أو الإسكان أو التجارة أو أو أو، إلخ.. لكن الريس محدش يقرب منه إلا لو حيمدح في جلالته
ربما كانت قمة هذه الموجة حملة جريدة الشعب - ربنا يفك حبسها - على وزير الداخلية حسن الألفي في منتصف التسعينات.. حينها كنت مندهشاً وبقول في سري : ياللجرأة !.. العالم دي مش خايفة ؟

ثم جاءت مرحلة ما بعد 11 سبتمبر، وبدأ الغول الأمريكي يطالب أصدقاءه القدامى بالإصلاح والديموقراطية، لعل وعسى يخف هذا من موجة الإرهاب التي طالتهم فيما خلف الأطلنطي.. حينها انتهز البعض الأمر وبدأوا يعارضون بحق وحقيقي.. فوجئنا بجريدة العربي تهاجم الرئيس شخصياً.. آه والله، تهاجم الرئيس شخصياً، ومبارك عمل ومبارك سوى، والله يخرب بيت مبارك إلخ، ثم تبعتها بعض الصحف الحزبية والمستقلة الأخرى..

طبعاً كانت صدمة شنيعة للصحف الحكومية.. ايه ده؟ دول بيتطاولوا - الكلاب - على سيادة الرئيس.. الأوغاد بدل ما يكملوا على خط "إنت كويس وابن حلال يا ريس لكن اللي حواليك مستغفلينك" غيروا على خط "الله يخرب بيتك يا ريس وبيت الناس اللي إنت بليتنا بيهم"


ما بين مرحلة "إنت كويس وابن حلال يا ريس لكن اللي حواليك مستغفلينك" ومرحلة "الله يخرب بيتك يا ريس وبيت الناس اللي إنت بليتنا بيهم" كانت هناك انطلاقة إعلامية خارجية تمثلت في الفضائيات العديدة التي دخلت البيوت دون فلتر حكومي.. كانت الجزيرة هي النجم الأوحد الذي تابعه الجميع بشغف.. وحينما كانت تنتقد الحكومة المصرية كان الإعلام الحكومي يصورها باعتبار أنها دسيسة من قلة حاقدة خائنة غادرة وغدة، وأنها خطر على الأمن القومي المصري إلخ

الصدمة الحقة كانت من نصيب كثير من الشباب.. شباب اتولدوا واتربوا وكبروا في الخمسة وعشرين سنة التي لم يظهر فيها وجه سوى وجه حسني مبارك، ولم يتم تمجيد أحد سوى الله وحسني مبارك، ولم يتم تقديس أحد سوى حسني مبارك (ربنا فيه ناس بتكفر به وفيه ناس بتتطاول عليه، لكن حسني مبارك ماكانش فيه حد بيتطاول عليه).. فوجيء هؤلاء الشباب - اللي زي حالاتي - بأن اللي كانوا بياخدوا به من آراء الصحف الحكومية وتحليلاتها ليس هو وجهة النظر الوحيدة كما كانوا يعتقدون.. ما كانوا يرونه في الشارع على وجه المواطن المصري المطحون هو الحقيقة المطلقة وليس ما يدعيه منافقو الإعلام الحكومي طوال ربع قرن.. كانت صدمة تلتها صحوة.. لم تكن النقطة هي تحطم التمثال المقدس الذي لا يجب الاقتراب منه أو المساس به.. جوهر الأمر أن كثيرين ظنوا فعلاً أن لا أحد يقترب من التمثال لأنه فعلاً يستحق ألا يقترب منه أحد وأنه فعلاً فوق النقد، أو حتى لو كان النقد مسموحاً : مفيش حاجة وحشة علشان تتقال !

لكن - شوف حكمة ربنا يا أخي - طلع فيه حاجات وحشة علشان تتقال !